محمد بن جعفر الكتاني

155

سلوة الأنفاس ومحادثة الأكياس بمن أقبر من العلماء والصلحاء بفاس

وأخذ بتلمسان وفاس عن جماعة من الشيوخ ؛ منهم : أبو عبد اللّه التلمساني الحسني ، وأبو عبد اللّه المقري - جد مؤلف " نفح الطيب " - وأبو محمد عبد النور العمراني ، وأبو عبد اللّه الآبلي ، وأبو الحسن الصرصري ، وأبو العباس المكناسي ، وأبو مهدي عيسى المصمودي . . . وذهب لسلا ؛ فصحب بها الشيخ الصالح الزاهد الورع ، الحاج الأبر ، ذا الكرامات الكثيرة ، والمقامات [ 138 ] الكبيرة ؛ أبا العباس سيدي أحمد بن عمر بن محمد بن عاشر الأندلسي ؛ نزيل سلا ودفينها على ساحل البحر المحيط بخارجها . المتوفى سنة ثلاث وستين وسبعمائة . وأقام بها معه ومع أصحابه سنين عديدة . قال رحمه اللّه : « قصدتهم لوجدان السلامة معهم » . ثم رحل إلى مدينة طنجة ؛ فلقي بها الشيخ الصوفي ، المحقق المربي ؛ أبا مروان عبد المالك ، قال في " جهد المقل القاصر " : « ولعله المراد بالرجل العامي الذي قال بعضهم : إنه لم يفتح لابن عباد إلا على يديه » . ه . ثم رجع إلى فاس ؛ وولي الخطابة والإمامة بجامع القرويين منها مدة من خمس عشرة سنة ، إلى أن توفي وعمره ستون سنة ، وشهد له المقطوع بولايتهم بالخصوصية العظمى ، وأقروا له بالشيخوخة وتبركوا به ؛ كسيدي سليمان اليازغي ، وسيدي محمد المصمودي ، وسيدي سليمان بن يوسف بن عمر الأنفاسي . . . وأمثالهم . وكان شيخه سيدي الحاج ابن عاشر المذكور يشيد بذكره ، ويقدمه على سائر أصحابه ، ويأمرهم بالأخذ عنه والانتفاع به ، والتسليم له ، ويقول : « ابن عباد أمة وحده ! » ، ولا شك أنه كان كذلك ؛ فإنه كان غريبا ، والعارف غريب الهمة ، بعيد القصد ، لا يجد مساعدا على قصده . وكان شيخه الآبلي يشير إليه في حال قراءته عليه ، ويقول : « إن هناك علما جمّا لا يوجد عند مشاهير أهل هذا الوقت ، إلا أنه كان لا يتكلم ! » ، وذكر بعض من كان من أخص الناس به ومنقطعا إليه أحوال رجال " الرسالة " القشيرية ، و " الحلية " ، وما منحوا من المواهب . قال : « فلما مات الشيخ واستبصرت ما أشاهده منه من أفعال تدل على القطع بصديقيته ؛ لاح لي أن تلك الصفات التي تذكر فيها مشخصة فيه ، نشاهدها عيانا ، ولو لم أر الشيخ ؛ لقلت : إني لم أر كمالا » . وبالجملة : فهو واحد عصره بالمغرب ، وقد وصفه بالقطبانية غير واحد ؛ منهم : العلامة أبو العباس السوداني في " نيل الابتهاج " في ترجمة سيدي الحاج ابن عاشر ؛ قائلا ما نصه : « وممن انتفع به : الولي القطب أبو عبد اللّه ابن عباد الآتي في حرف الميم » . ه . والشيخ أبو زيد عبد الرحمن التادلي في تأليفه الصغير الذي سماه " بالتشوف " قائلا ما نصه : « ومنهم : الشيخ الإمام الأجل ، العالم الفقيه